كنت قد وصلت إلى آخر شارع بارون بعد ما يقارب على ثلث ساعة من المسير الهوينا. فقد غالبني الملل كثيراً و رأيت أن أتمشى قليلاً في شوارع حلب لأستنشق بعض الهواء و أرى وجوه الناس لبعض الوقت ثم أريهم ظهري أبداً عائداً أدراجي من حيث أتيت.

وضعت كفي في جيبي و بدأت أترقب وجوه الناس الشاحبة وسط الزحام. لم يكن ليعكّر صفو هذا الزحام سوى صرخات طفل قد قبع هاربا بين الناس, يتدحرج بين أقدامهم كالكرة التائهة.

” امسكوه …. اقبضو عليه … انه سارق ” قال الرجل الذي يعدو خلفه كاللبوة التي سال لعابها لاصطياد غزال.

و ما هي إلا لحظات حتى و تم اصطياده حياً – أقصد الطفل – و بعد أن تم إخراج جهاز الهاتف الخلوي من بين ملابسه. قام الرجل بالتأكد من سلامة الجهاز و دسّه في جيبه و بدأ بتوجيه اللطمات على وجه الطفل الصغير كيفما اتفق.

” مشان الله يا عمو .. ما بقا عيدا .. مشان الله اتركني ” عبارات كانت تترافق بالبكاء الحاد : قالها ذلك الصغير السارق.

و بدأت حشود الناس تتوافد إلى مسرح الجريمة. ليشكّلوا من تجمعهم الدائري ما يشبه حلبات المصارعة المشهورة عند الرومان. رغم إنني كنت قريباً جداً من الطفل. إلاَ أنَ تدافع أمواج الناس قد جذبني من - دون أن أشعر - بعيداً عن مركز الحدث.

صرخ أحدهم قائلاً ” اضربوه .. هدا حرامي ” فأجابه الآخر على الفور ” طوّل بالك يا رجال .. و لد شو بفهمو !!! ” فردّ عليهم عجوزاً يضرب بكفيه ” لا حول و لا قوة إلا بالله ….. لا حول و لا قوة إلا بالله ” .

و بينما كان هذا الطفل يهدر بسخاء كل ما يملكه من دموع خوفاً من الضرب تارةً و من جمهرة الناس تارة أخرى. انقسم الجمهور ما بين مقترح بإنزال عقاب سريع .. أو طالباً الاستغفار له و رحمته بسبب صغر سنه , و منهم من وقف موقفاً و سطاً فاقترح التوبيخ ثم الترك.

و بدوري و على اعتبار أنني ادرس القانون .. لم أشأ أن اترك حفلة الاستفتاء هذه تمر دون أن أدلو بدلوي بين جمهور الفقهاء.

فوقفت صارخاً …… ” لا تتركوه …. لا تضربوه ….. أنه بريء ” أكثر من نصف الجمهور أدار رأسه باتجاهي بحركة واحدة ذكرتني بأيام كنت أرمي القمح أمام دجاجات جدتي الثمانية.

صرخت متابعاً ” لا تظلمو الولد يا أخوان … خدوه للشرطة إذا بتريدوا ” كنت في هذه اللحظة قد قبضت على كتف الولد بعد أن جذّفت كثيراً بين الزحام كي أصل إليه. نظر إليَ ذلك الطفل و كاد يختنق بالهواء الداخل إلى رئتيه. رغم أنه لم يستطع أن يخرج ما بجوفه من كلمات و لكن عينيه المرعوبتين كانت تستحلفني بأن لا أقصد ما أقول .

قام أحدهم أخيرا بتخليصه من بين يدي و بدأت ملامحه من أمامي تغور و تتلاشى كالحلم بعد أن أطلق قدميه للهواء هارباً, و بدأ يجري و يجري و كأنما قد كتبت له الحياة من جديد.

أيها الطفل توقف, أنت لست بسارق. أيها الطفل تمهل , أنت لست بمنحرف و لا فاشل ولا متسكع في الشوارع. أنت لست سوى طفل بريء قد عودوك على سرقة الناس. أنت لم تسرق شيئاً .. و لكن من درّبك و علمك هو من سرق الحياة من عينيك. أنت لم تقترف جرماً و لكن من يرسلك كل يوم هم من اقترفوا الإجرام بحقك. كان يجب إن تسمع كلامي و تذهب إلى الشرطة . هم لن يعاقبوك و إنما سيعاقبون المجرم الحقيقي الذي يقف ورائك.

كنت أتمنى منك أيها الطفل الصغير لو أعرتني قليلاً من وقتك و توقفت. لكنت قد برهنت لك على إنني معك و لست ضدك.

و لكن هيهات هيهات إن تصلك كلماتي بعد أن أطلقت ساقيك للهواء.