لم تكن الآلام التي أبرحت ظهري و عنقي بذات أهمية تذكر بالمقارنة مع هذا الانتظار الفظيع. كان يتوجب علي أن انتظر ساعة كاملة من أجل انطلاق الباص متوجهاً إلى منزلي.
و ها قد بدأ الليل يهلل معلناً قدوم انتهاء يوم مرير من أيامي المتكررة كالروتين الإداري الممل. ربما من الأفضل لي أن أقضي تلك الساعة واقفاً أو متمشياً , لا يمكن ابداً أن أقضيها في حالة استرخاء و أنا قابع أمام مكتب القطع منتظراً الفرج.
أووف … متى سينتهي هذا الحال, كلما واسيت نفسي بأنها ستفرج هذا اليوم . و ما هي إلا ساعات قليلة و أكون في غرفتي متمركزاً بجانب وسادتي و مدفأتي . أتذكر بأنه علي أن أعيد الكرة في الصباح التالي مثلما بدأت. حسناً.. ستفرج … لن يستمر هذا الحال طويلاً. ستفرج قريباً. قلت تلك الكلمات متمتاً و نظرت إلى ساعتي و إذ بها تنبئ باقتراب موعد انطلاق الباص.
اتخذت من مقعدي المخصص مكاناً دائماً و أسندت ظهري بقوة إلى مقعدي و كأنني أسند جبلاً من الانهيار. و عندما بدا الباص بالرحيل. أدرت راسي باتجاه النافذة مودعاً المكان الذي كنت فيه و و واعدا إياه بلقاء قريب غداً إن شاء الله. فأحسست بألم و تصدع حول عنقي و كأنما هذا الجبل يريد أن يدير أحدى قممه يمنة أو شمالاً. نزعت بعض أثوابي و جعلتها كوسادة مرنة و وضعتها بين عنقي و عنق المقعد القاسي. و أغمضت عيني منتظراً . ترى ماذا سأنتظر يا ترى؟
خلال الرحلة, أحسست بأننا قد دخلنا منطقة من السهول الجميلة. كان الجو معتماً في الخارج. و لكنني – على اعتبار أنني قد حفظت الطريق – فكان سهل علي أن أحدد المكان. أنها سهول جميلة لولا بعض الظلام الذي يغطي ملامحها. لم يكن هناك من شيء يشعرني بالراحة إلا ذلك الشعور الغريب عندما يهم الباص في النزول من على التلة . جميعنا نعرف هذا الشعور و نكرره. الطريق مليئة بالتلال . و ما يكاد الباص ينتهي من تلة حتى و يصعد الأخرى. و لكنني كنت مستمتعاً. فعندما يبدأ الباص بالصعود أشعر و كأن رئتاي قد أمتلئتا بالهواء . و عندما يبدأ بالنزول أشعر بأن هذا الهواء قد تفرغ منهما دفعة واحدة. كان شعوراً رهيباً يفتح عليك الملايين من الذكريات الماضية. و يرميك و أنت مغمضاً عينيك في بحار من الخيال و الذكريات. كل الذكريات عندما نستعيدها نشعر بالارتياح لها في معظم الأحوال . و لم يعكر صفو ذكرياتي سوى أنني تذكرت على حين غرة بأنه يتوجب علي السفر غداً من جديد . و أن أعيد هذه الكرة مرات و مرات.
اييه شو بدنا. خلينا بالذكريات الجميلة.
حاولت رفع رأسي قليلاً كي أنظر إلى النجوم التي تخفي بعضها بعض الغيوم. فتخيلت صورة إنسان عزيز على قلبي . هززت رأسي بقوة و أغمضت عليني كي أبدد هذه الصورة من أمامي .. ليس وقتها الآن. لم أكن أشعر بأي رغبة سوى برؤية المدفأة و الوسادة و أنا مسترخي في غرفتي بعد عناء يوم طويل كأحلام بلادي.
كم هي قاسية هذه الأيام. لا يأتي الحزن و الأسى على إنسان إلا بالجملة. تتراكب الظروف و تتعقد الأحلام لتؤلف من نفسها سيلاً مندفعاً يأتيك على حين غرة ليقتلع كل ما في قلبك من حنين و طفولة و يرمي بك في عالم مقفر و موحش و بعيد عن الخيال.
ها قد بدا قائد الرحلة بتقليب المذياع باحثاً عن محطة جميلة أو أغنية قابعة في مكان ما من زوايا المذياع. استقر أخيراً على ألحان أدركت للوهلة الأولى بأنني اعرفها جيداً. كانت تلك الألحان غير غريبة عن مسمعي. و كأنها ألحان تمهد لأغنية طالما كنت أسمعها في صغري. لمن هذه الألحان يا ترى.؟ هل للعندليب الأسمر؟ … ربما … سأنتظر قليلاً.
و ما هي إلا لحظات و أدركت حينها إنها أغنية لطالما قد عشقتها لسنوات طويلة قد خلت من حياتي. أحسست بشيء غريب يسري بين عروقي . منذ سنوات طويلة لم أسمع هذه الأغنية. ها قد بدا الألم يتبدد من بين ثنايا عنقي و تتطاير تلك الجبال الجاثمة على ظهري , و كأن بمارد كبير قد استيقظ من بين التلال و بدأت قطع الحجارة الكبيرة تترامى من على كتفه و تهوي على الأرض . أحسست براحة ذالك المارد من بعد سبات عميق قد دام لسنوات. يا لغرابة هذه الأغنية. كيف تفعل كلماتها في الإنسان كل هذا الفعل؟.
لم يكن أمامي سوى أن اسلم نفسي لها. و أغمض عيني و أحلم.
نعم سوف أغمض عيني و احلم .
سأحلم بما تبقى لي من هذا الطريق مع ألحان أغنية العندليب.
Download قول حاجة
قوللي حاجة أي حاجة ..قول بحبك قول كرهتك
قول قول قول وما يهمكش حاجة
قوللي عايزك ..قوللي بعتك
بس قوللي أي حاجة يا حبيبي
أبو السمر النمر
شباط 28th, 2008 في 1:31 مسائاً
بتعرف… يمكن بحياتي ما حسيت هالإحساس, أو عالأقل ما بذكر أيمت آخر مرة حسيت بهالمشاعر… لسبب بسيط .. هو أني مجرد أطلع بالباص, أو بأي وساطة نقل بنام, وما بفيق لحتى لقبل ما أوصل بشوي, فمابلحق أشعر بشي غير أنو لازم أدفع الأجرة قبل ما يجعر الشوفير..
تقبل مروري أخي فراس
أبو السمر النمر
شباط 28th, 2008 في 1:34 مسائاً
نرمين
شباط 29th, 2008 في 12:31 صباحاً
ذكرني الشعور الي وصفتو بالشعور الي كنت حسو وقت كنت روح على ثانوية حلبا الرسمية بلبنان
كنا نروح ببوصطة عمي الحاج الله يذكرو بالخير عالثانوية والي صايرة بنزلي ف وقت نكون نازلين فعلا بتحس وكانو كل شي بداخلك هبط او صار في فراغ… كنت دايما راقب وجوه الطلاب ونحنا نازلين لاقي الكل عم يبتسم… شعور حلو … مريح متل ما وصفتو
بعدني لحد الان كل ما يكون في نزلي بالطريق وحس بهالشعور بتذكر ايام كنت بلبنان: رايحة عالمدرسة ببوصطة عمي الحاج مزعوجي من اغاني فيروز من عبكرة الصبح (وقتها ما كنت بعرف شو يعني “فيروز”) … كل ما نزلت هالنزلي ببتسم وبتذكر “بكتب اسمك يا حبيبي عالحور العتيق…”
abohabib
شباط 29th, 2008 في 11:03 صباحاً
بكل شفافية أقول لك عليك أن تحترف الكتابة فأنت أديب حقيقي …
فراس
شباط 29th, 2008 في 7:45 مسائاً
أحياناً يشعرني ذلك بالبهجة و أحياناً أخرى بالتعاسة . حسب الحال و حسب الذكريات.
و اعذرني لقلة تواجدي في مدونتك هذه الأيام . فأنا بالكاد استطيع الدخول إلى مدونتي.
أخي أبو حبيب لقد أخجلتني بكلماتك . صدقني لست سوى كلمات عادية و لكنني لا اقتل نفسي بالتكلّف. فقط أعطي ليدي الحرية بأن تكتب بشكل مباشر ما يجول في خاطري. ذكرتني بقصة ليست طويلة . فقد قرأت كلمات جميلة جداً لشخص يكتب و ينتقي عباراته بأسلوب فريد و لكن لأسف أسلوبه مخنوق. فالعبارات تخنق بعضها البعض حتى تكاد تشعر نفسك بأنك غير قادر على المتابعة. و عندما نصحته بأنه يجب أن يكتب بطريقة يجب أن تفهمها الناس . توقع مني إنني انتقده و اجرحه و أنه لا يجوز للكاتب أن ينزل بمستوى كلماته . ليس ذلك قصدي . إن معيار براعة الكاتب هو أن يكتب عبارات يفهمها كل الناس . و لكن لكل شخص نصيبه منها.
أهلا بك نرمين في أول قول لك في مدونتي.
جميل أن يتذكر المرء أغاني كان يسمعها منذ زمن طويل. أعتقد – و ربما تؤيدين ذلك – إننا قد نشعر الآن ببعض هذه الكلمات بغير الطريقة التي كنا نشعر بها أيام البوصطة.
و الدليل على ذلك إن الاسم الذي يزول بالماء إذا كتب على الرمل .. يمكن أن يزول بالنار إذا كتب على جذوع الأشجار العتيقة. ربما لم نكن ندرك هذه الحقائق عندما كنا نسمع الأغنية و نحن صغار. لكن علينا أن ندركها الآن. و للحيلولة دون الزوال . فإما أن نبعد النار عن الشجيرات التي كتبنا عليها أسماء من نحب . أو أن نكتب أسمائهم في أماكن لا يطالها لا النار و لا الماء و لا أي شيء آخر قد يذهب بها.